الشريف الإدريسي
590
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
إليه وتواردوا من كل الجهات عليه رغبة في التفيؤ بأفياء مملكته والسكنى تحت ظلال أمنه ورحمته وملكه لا يزيد على الأيام إلا رفعة وعلوا وشماخة وسموا إلى حين تأليفنا لكتابنا هذا فأما جزيرة صقلية المتقدم ذكرها فأقدارها خطيرة وأعمالها كبيرة وبلادها كثيرة ومحاسنها جمة ومناقبها ضخمة فإن نحن حاولنا إحصاء فضائلها عددا وذكرنا أحوالها بلدا بلدا عز في ذلك المطلب وضاق فيه المسلك لكنا نورد منه جملا يستدل بها ويحصل على الغرض المقصود فيها فنقول إن في هذه الجزيرة عند تأريخ هذا الكتاب لسلطانها الملك المعظم رجار مائة بلد وثلاثون بلدا بين مدينة وقلعة غير ما بها من الضياع والمنازل والبقاع ونحن نريد أن نذكر بلدان الجزيرة البحرية منها خاصة ونقتصر عليها ونكتفي بها عما سواها إلى أن نرجع من حيث بدأنا ثم نأخذ بعد ذلك في ذكر ما في حشو الجزيرة من البلاد والحصون والعمل الواسع المسكون مكانا مكانا وموضعا موضعا بحول الله تعالى فأول ذلك مدينة بلرم وهي المدينة السنية العظمى والمحلة البهية الكبرى والمنبر الأعظم الأعلى على بلاد الدنيا وإليها في المفاخر النهاية القصوى ذات المحاسن الشرائف ودار الملك في الزمن المؤتنف والسالف ومنها كانت الأساطيل والجيوش تغدو للغزو وتروح كما هي الآن عليه من ذلك وهي على ساحل البحر منها في شرقيها والجبال الشواهق العظام محدقة بها وساحلها بهيج مشرق فرج ولها حسن المباني التي سارت الركبان بنشر محاسنها في بناءاتها ودقائق صناعاتها وبدائع مخترعاتها